شكّل كره القوميين لي منذ عقود مصدر استغراب متواصل . من المفروض أنني زعيمهم وانا العروبي إلى النخاع أبا عن جدّ ، الطبيب الذي حاول تعريب الطب ونال جائزة المؤتمر الطبي العربي سنة 1989 ، المدافع عن وحدة الأمة منذ عقود ، والرئيس العربي الوحيد الذي ركب البحر لمحاولة رمزية لفك الحصار عن غزة .
لم يحدث إلا العكس.
في الثمانينات طردت من المؤتمر القومي العربي لأنني قلت لا وحدة دون ديمقراطية ويجب الجلوس مع الإخوة الأمازيغ لتجديد شروط الحلف الأزلي والاعتراف المتبادل .
عزلوني من المنظمة العربية لحقوق الإنسان سنة 1994 وأنا في السجن . اعتدوا علي جسديا في التسعينيات بسبب موقفي من غزو الكويت من قبل صدام .
ادعوا كذبا أنني رقصت فرحا على خبر مقتل القذافي ،
أن يداي ملطخة بدماء السوريين ، أيه والله
ادعوا كذبا أنني سلمت البغدادي المحمودي ، أنني بعثت شبابنا للحرب الأهلية في سوريا وهم من بعثوا ، أنني استقبلت مؤتمر أصدقاء سوريا ودعي قبلي الى آخر الأراجيف التي لا زال يروجها الذباب الالكتروني للمنقلب
صوتوا ضدي في كل الانتخابات.
تساءلت دوما لماذا يكرهوني والحال أنني لا أكرههم وأعرف منهم بعض الناس المتميزين فكريا وأخلاقيا ولا أضمر تجاههم أي عداوة .
أخيرا فتح الله على قلبي لأفهم هذه العداوة والسبب لم أجده في السياسة وإنما في الرياضيات.
ففي هذا المجال من الفكر الإنساني لتثبت حقيقة رياضية يجب أن تخضع حقيقتك هذه لشرطين لا لشرط واحد : الذي يسميه الرياضيون الشرط الضروري و الذي يسمونه الشرط الكافي.
هنا بيت القصيد أو بيت الاختلاف .
أصدقائي القوميين اكتفوا بالشرط الضروري من قادة مثل صدام والقذافي والأسد وحتى عبد الناصر أي أنهم وضعوهم على العين والرأس طالما وفوا بالشرط الأساسي : أن يكونوا ألدّ أعداء الامبريالية والصهيونية.
والباقي لا يهم ..أو ثمن زهيد تجاه المكسب العطيم
خنق كل حياة سياسية ! مأسسة دولة الخوف عبر أجهزة المخابرات ! قتل أكثر من 5000 شخص أغلبهم من المدنيين بالكيماوي في حلبجة بالعراق سنة 1988 أو قتل مئات السجناء بدم بارد سنة 1980 في سجن تدمر بسوريا أو قتل ما بين 1200 و1500 في سجن أبو سليم سنة 1996 في ليبيا أو فظاعات سجن صدنايا ! التوريث ! التعذيب ! الرئاسة مدى الحياة !
كل هذا مغفور دنيا وآخرة …المهم التصدي الحقيقي -أو الكاذب -للإمبريالية والصهيوينة
هكذا أدت بهم القناعة بالشرط الضروري والتغاضي عن الشرط الكافي إلى تضييع البوصلة والطريق وإلى الوقوف في جنب طغاة قادوا الأمة لكل ما نعيش من كوارث …عزاؤهم أو تبرير خيارتهم الخاطئة ما تعانيه شعوب ليبيا والعراق وسوريا وكأن الذين أيدوهم إلى آخر فظاعة ليسوا هم من يتحملون أكبر مسؤولية في الوضع الحالي .
هل لاحظتم أيضا أن اشاوس الوحدة لم يوحدوا شيئا وإنما ساهموا في تقسيم ما خكموا .
لهذا رفضت موقفهم منذ ثمانينات على قناعة مطلقة أن الاستبداد هو أيضا عدو الأمة وأنه أخطر عليها حتى من الصهيونية والإمبريالية وانه لا شيء يبرر التعذيب وخنق الحريات والتشبث بالسلطة وتزييف إرادة الشعب والحكم عليه بالعيش تحت الخوف المتواصل.
اقتنعت أيضا أن الوطنية عندما لا تكون الوجه الآخر للمواطنية فهي مجرد خديعة يستعملها المخادعون للتحكم في المخدوعين لأن الوطن خارطته مرسومة على جسد كل مواطن ولا وطنية بدون احترام كامل لحقوق المواطن وأولها الحقوق السياسية .
وصيتي للجيل الشاب من العروبيين ولكل شبابنا ايا كانت توجهاته السياسية
لا تكتفوا بالشرط الضروري ، طالبوا بالشرط الكافي .
لا تفصلوا بين التصدي للاستبداد و التصدي للإمبريالية والصهيونية .
لا تفصلوا بين الوطنية والمواطنية
وإلا فإنكم انتم أيضا ستصبحون جزءا من المشكل لا جزءا من الحلّ .
ملاحظة : إذا رأيتموني في مظاهرة عن فنزويلا فلرفضي القاطع للإمبريالية التي تكشر من جديد عن أنيابها بكل وقاحة ودفاعا عن عالم يحكمه القانون لا شريعة الغاب وليس للدفاع عن دكتاتور فرض عبادة الشخصية والحكم العائلي وتزييف الانتخابات وزج المعارضين في السجون …حتى ولو رفعها صرخة مدوية لا للصهيونية ولا للإمبريالية .
